الثلاثاء، 26 يناير 2016

النبات ومعجزة الحياة على الأرض

النبات ومعجزة الحياة على الأرض



في جولة علمية توصل الباحثون إلى أن النبات هو سر الحياة الفريد على الأرض، وتوصلنابعد الحوار والنقاش إلى أننا نعتقد أن النبات غير موجود على الكواكب الأخرى حتى لو وجد عليها الماء لأنه موجود في صور تحول دون إدخاله في نظام حي على تلك الكواكب وحتى تدب الحياة لابد من وجود الماء والنبات أو بعض الكائنات الحية الأخرى ذاتية التغذية كبعض أنواع البكتيريا والطحالب الخضراء المزرقة وحتى تستمر الحياة وتزهو وتزدهر لابد من وجود النبات في النظام البيئي السابق.
   ولكي نتبين أهمية النبات للحياة على الأرض علينا إعطاء صورة ذهنية تصورية للبيئة الأرضية في غياب النبات، إذا غاب النبات من البيئة الأرضية وسطعت عليها الشمس واشتدت حرارتها بخرت معظم المياه الموجودة عليها ورفعت درجة حرارة صخورها وتتحول البيئة إلى حمام من بخار الماء الساخن الرطب يتعذر العيش فيه للإنسان والحيوان ومعظم الكائنات الحية الدقيقة ، وعندما تغيب الشمس تبدأ اليابسة بفقد حرارتها سريعا وتبرد ويتكثف بخار الماء ويعود إليها وتشتد برودة ويتجمد الماء وتصعب الحياة عليها، وهكذا تتكرر هذه الدورة التي تختلف حدتها وسرعتها من مكان إلى مكان على الأرض.
   وحتى لا تستمر هذه الصورة المكرورة خلق الله سبحانه وتعالى للأرض الكساء النباتي الذي يمتص كمية كبيرة من ضوء الشمس ويستغل الماء ويشطره إلى هيدروجين يستغله في إنتاج المواد العضوية النباتية وأكسجين يصعد إلى أعلى ، و تتغذى الكائنات الحية الأرضية غير الذاتية التغذية كالإنسان والحيوان ومعظم الكائنات الحية الدقيقة والنباتات المتطفلة على ما صنعه النبات من غذاء , ويساعد النبات في بنائه الضوئي بعض البكتيريا ذاتية التغذية والطحالب الخضراء المزرقة، وبذلك تبدأ دورات الحياة المهمة كدورة الكربون ودورة النيتروجين ودورة الكبريت ودورة الفوسفور وغيرها في الدوران والعمل.
        وقد جمع الله تعالى بداية هذه العمليات الأرضية في قوله تعالى" لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى" (طه/6)، وما تحت الثرى هو البيئة التي يمد النبات فيها جذوره وفيها الملايين من الكائنات الحية الفطرية والبكتيرية والحيوانية المشاركة بفاعلية في إتمام دورات الحياة، وهذا ما فصلناه في موضوعنا "وما تحت الثرى معجزة حيوية" في كتابنا معجزات حيوية علمية وميسرة وفي مقالات عديدة على موقعنا .
   وقد جمع الله سبحانه وتعالى وبين دور كل من الماء والنبات والبيئة الأرضية في آياتقرآنية متعددة منها في الماء " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " (الأنبياء/30)، وقوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ" (الأنعام/99)، وقوله تعالى: "وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ " (البقرة/22) .
   وعن الأرض قال تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً" (البقرة/29)، وقال تعالى: " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (البقرة/36) وقال تعالى: " وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" (الحج/5)، وقال تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (فصلت/39).
   وعن النبات قال تعالى " وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ "(ق/9) وقال تعالى "ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً{26} فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً{27} وَعِنَباً وَقَضْباً{28}"(عبس/26-28)، وقال تعالى: "فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا"(النمل/60)، وقال تعالى: " وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى{53} كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى{54} " (طه/ 53-54).
   وعن فوائد ذلك قال تعالى " أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا{31} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا{32} مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ{33} " (النازعات/31-33).
   والنبات هو ما خرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أم لم يكن له ساق كالنبات النجمي أو النجم.. قال تعالى "وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً" (نوح/17)، (مفردات ألفاظ القرآن الراغب الأصفهاني، دار القلم، دمشق، ط1، ص787، 1997).
   والنبات الذي نعنيه هنا هو الكائن الحي المكون عادة من المجموع الجذري الممتد في الأرض والمتشعب فيها بحسب جنس النبات ونوعه، ومهمته تثبيت النبات في التربة أو الأرض، وامتصاص الماء والمعادن والأملاح وبعض المغذيات من التربة، ويقوم الجذر في بعض النباتات بوظائف أخرى كالتخزين والتنفس والتسلق أو امتصاص المغذيات من نبات آخر كما هو الحال في النباتات المتطفلة المتحول فيها الجذر إلى ممص.
   ويحتوي النبات على المجموع الخضري وهو الساق المرتفعة فوق الأرض بما تحمل من أوراق وبراعم وأزهار وثمار في النباتات الزهرية، وساق النبات إما مرتفعة على الأرض وإما زاحفة وجارية عليها (نبات نجمي) وهي إما ساق مصمتة وإما مجوفة، وهي مقسمة إلى عقد وسلاميات، وبعض السيقان أرضية كسيقان نبات النجيل والغاب والقلقاس والبطاطس وبعض السيقان طويلة والأخرى قزمية أو قرصية كما هو الحال في ساق نبات البصل، وتتحور بعض السيقان إلى معاليق كما في العنب أو تتفلطح وتحتوي على البلاستيدات الخضراء لتقوم بعملية البناء الضوئي عوضا عن الأوراق التي تحولت إلى أشواك حرشفية كما هو الحال في نبات التين الشوكي والسفندر.
   وتحمل السيقان النباتية الهوائية عادة الأوراق النباتية المهيأة للقيام بعملية البناء الضوئي التي خلقها الله سبحانه وتعالى لإنتاج جميع المنتجات الغذائية والدوائية والصناعية النباتية التي يعتمد عليها الإنسان والحيوان والكائنات الحية الأخرى غير الذاتية التغذية.
   وإذا غابت المنتجات النباتية عن البيئة الأرضية هلك الإنسان والحيوان والكائنات الحية غير الذاتية التغذية الأخرى كالفطريات والبكتيريا والفيروسات وغيرها.
   من هنا كان النبات هو المعجزة الربانية للحياة الأرضية ويبدأ النبات حياته من اتحاد المشيج المذكر (الجراثيم وحبة اللقاح) والمشيج المؤنث المسمى البويضة ليعطي الزيجوت الذي يكون الجنين ويتكون الجنين في النباتات الزهرية من الجذير الذي يعطي المجموع الجذري بعد ذلك، والرويشة التي تعطي المجموع الخضري، ومعهما الغذاء المدخر والكافي لإنبات الجنين عندما تتوافر الشروط اللازمة لإنباته ونموه في مراحله الأولى قبل أن يكون الخضر أو اليخضور أو الكلوروفيل وهذا كله مصداقا لقوله الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً" (الأنعام/99).
والآن نبين في اختصار شديد كيف يقوم النبات بصناعة الغذاء للكائنات الحية الأرضية وأهمية هذه العملية وحتى نفهم دور عملية البناء الضوئي الذي يقوم النبات فيها باستغلال ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء في معجزة الحياة , نبدأ بتجربة هيلمونت التي وضع فيها 200 رطل من التربة في إصيص، ثم بلل التربة بالماء وغرس بها نبات زنته خمسة أرطال واستمر في ري النبات بماء المطر أو الماء المقطر الخالي من الأملاح والمعادن والمخصبات مدة خمس سنوات، بعدها نزع النبات بعناية ووزنه فوجده يزن 164 رطلا وثلاث أوقيات (ولميشمل هذا الوزن الأوراق التي تساقطت خلال 4 مواسم خريفية)، ثم أعاد تجفيف التربة ووزنهافوجد أن وزنها نقص أوقيتين اثنتين فقط وبالتجربة وجد العلماء أن باقي وزن النبات جاء من ثاني أكسيد الكربون الجوي وأشعة الشمس والماء.
   من هنا نفهم أن معظم وزن النباتات التي نستعملها ونأكلها جاء من النبات نفسه بعملية البناء الضوئي التي أودعها الله تعالى في هذا النبات، أي أن هذا النبات يحول هذه الخامات (الماء وثاني أكسيد الكربون والضوء في وجود الكلوروفيل) إلى سكريات ومواد أخرى مفيدةويعطينا منها الثمار المغذية واللذيذة والأزهار الشذية الرائعة والخشب النباتي المتميز , والروائح الشذية والعسل المصفى.
   وقد خلق الله سبحانه وتعالى بعلمه وقدرته وتقديره في النبات صبغ اليخضور (الخضِر أو الكلوروفيل) الموجود في البلاستيدات الخضراء وهي تراكيب معجزة وأعظم مصانع لإنتاج الغذاء وتحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كيميائية في العالم و خاماتها متوافرة في البيئة الأرضية، ولا تلوث البيئة , وتثبت نسبتي ثاني أكسيد الكربون والأكسجين في الهواء الجوي و طولها سبعة ميكرونات وعرضها 3-4 ميكرونات يحيط بكل منها من الخارج زوج من الأغشية الملساء تضم وسطا سائلا يسمى الحشوة ونظام معقدا ومعجزا من الأغشية الداخلية مطبقة مع بعضها في أزواج تسمى الصفائح تتضخم هذه الصفائح في أماكن محددة بصفة دورية فتكون مئات التراكيب المفلطحة والمحاطة بأغشية تسمى الثلاكويدات وتترتب الثلاكويدات في صفوف كأنها قطع عملة متراصة فوق بعضها تعرف بالحبوب أو الجرانا.. بداخل هذه الأغشية كميات كبيرة من المركبات والإنزيمات منها السيتوكروم وإنزيمات إنتاج عملات الطاقة (ATP) والكلوروفيل وبعض أشباه الكاروتينات وجزيئات من الحمض النووي والريبوزومات (انظر كتاب بيولوجي، جون كيمبال ((مترجم)، دار المريخ للنشر، الرياض - المملكة العربية السعودية (ج)، ص276-286).
   وتقوم البلاستيدات الخضراء في الأوراق وبعض السيقان المتحورة بعملية البناء الضوئي وتنقسم عمليات البناء الضوئي إلى قسمين: تفاعلات الضوء وتفاعلات الظلام.
   في تفاعلات الضوء يكون الناتج النهائي السكر والأكسجين الناتجين من ثاني أكسيد الكربون والماء وضوء الشمس في وجود الكلوروفيل والعوامل البيئية الأخرى كالحرارة المساعدة على إتمام التفاعل.
   وفي تفاعلات الظلام يقوم النبات باستغلال نواتج تفاعلات الضوء لإنتاج باقي المركبات النباتية، والنبات بهذه العملية أنتج منذ وجوده في البيئة الأرضية وينتج كل غذاء أصله نباتي للإنسان والحيوان والكائنات الحية الدقيقة غير ذاتية التغذية، وأنتج وينتج كل المواد العضوية أو أصولها في العالم وهو المنتج الأول للفحم والبترول والمطاط والصمغ والراتنجات وغيرها منالمنتجات النباتية.
   من هنا كان النبات هو المؤشر الحقيقي لوجود الحياة مع الماء في البيئة التي يوجد فيها وإذا غاب النبات فلا حياة حتى في وجود الماء.
   والنبات هو الذي أنتج وينتج الأكسجين الجوي للكائنات الحية الهوائية التنفس وهو الذي ينقي الجو من ثاني أكسيد الكربون وبعض الملوثات الهوائية والأرضية.
   ويوجد في البيئة الأرضية أكثر من 250 ألف نوع نباتي تشمل الطحالب الحمراء والبنية والخضراء والحزازيات والتريديات  والنباتات البذرية المعراة البذور (الأرشيجونيات) ومغطاتهاالمسماة النباتات الزهرية ويجمعها جميعا جدارها الخلوي المحتوي على السليلوز بكميات كبيرة وهي كائنات حية حقيقية النواة أي أن المادة النووية لها محاطة بغشاء نووي مزدوج , وهي ذاتية التغذية ماعدا النباتات المتطفلة كالهالوك والحامول وغيرهما.
   وتحتوي النباتات غير المتطفلة من المملكة النباتية على صبغ اليخضور (الخضر - الكلوروفيل) وتقوم بعملية البناء الضوئي السابقة التوضيح، ولها آليات معينة ومتنوعة للتلقيح والإخصاب ويتبادل في دورة حياتها طور مشيجي - خضري أحادي المجموعة الصبغية، وطور جرثومي ثنائي المجموعة الصبغية، ولها آليات معجزة لانتثار وانتشار الثمار والحبوب والبذور والجراثيم ويجمعها جميعا قول الله تعالى: " وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام/ 99). يؤمنون بأن الخالق هو الله وهو الحليم العليم الخبير اللطيف {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }طه50  .
من هنا وجب علينا العناية بالنباتات البرية (المعين الجيني للنباتات المزروعة) والعناية بالغابات وزراعة الأرض القاحلة والقابلة للزراعة وترشيد استهلاك الماء بالطرائق العلمية الحديثة للري , والعناية بالنبات في مناهجنا الدراسية, فالنبات هو المعجزة الربانية التي خلقها الله تعالى صالحة للحياة على الأرض وأصلحها وقدر فيها أقواتها وما يصلح معايش من عليها، وحذرنا من الإفساد فيها فقال تعالى: "وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (الأعراف/ 85)، وقال صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير وإنسان  أو بهيمة إلا كان له به صدقة" رواه البخاري.
أ.د. نظمي خليل أبوالعطا موسى